التربيةقيم وعلاقات أسريةمذكرات أم

قيمة سامية!

 

قيمة سامية!

قيمة سامية!

مذكرات أم
من أرشيفنا: نوفمبر ٢٠٠٧

إن تربية ثلاثة أطفال ليست بالأمر الهين، ويكون الأمر أكثر صعوبة إذا كانت الأم لديها اهتمام خاص بأن تساهم فى بناء مستقبل هذا الوطن بثلاثة مواطنين منتجين، رحماء، ومحترمين. وهذا الهدف يكون تحقيقه أصعب فى وقتنا الحاضر نتيجة لضيق الوقت حيث أن الأعباء المنزلية تتطلب الكثير من الوقت والجهد. وفى أغلب الأحيان، يكون كلا الأبوين عاملين مما يجعل الوقت المتبقى لقضائه مع الأطفال أقل وغالباً ما يُستغرق هذا الوقت فى أوامر موجهة من الأبوين إلى الأبناء. حتى بالنسبة للأم الغير عاملة، فإن الأعباء المنزلية اليومية أصبحت كثيرة وتتطلب الكثير من الوقت. أطفال هذه الأيام أيضاً ليس لديهم وقت كاف، فأغلبهم يستغرقون وقتاً أطول فى طريق الذهاب والعودة إلى ومن المدرسة عما كان الحال عليه عندما كنا نحن فى مثل أعمارهم. بالإضافة إلى أن أغلب الأطفال يمارسون رياضات أو أنشطة بعد المدرسة لم يكن الكثير منها متاحاً فى الماضى. نضيف إلى ذلك الإنترنت والأبحاث التى تطلب منهم فى المدرسة وتستغرق ما يتبقى لهم من وقت. كل هذه العوامل تؤدى إلى زيادة انشغال كل أفراد الأسرة عن ذى قبل. والسؤال الآن هو كيف نضمن تربية أطفالنا بالشكل السليم فى ظل هذه الضغوط؟

ما يحدث عادةً نتيجة هذه الحياة السريعة هو أحد الأمرين. الأول هو أن يحاول الأبوان (وعادةً الأم) أن يبثا فى أطفالهما فى الساعات القليلة المتبقية كل ما يريدان وبالتالى ينتهى الأمر إلى أن تقضى الأم أغلب وقتها فى جدال ومفاوضات مع أطفالها مما يؤدى عادةً إلى الصراخ فتبدو الأم وكأنها الشريرة التى تنغص حياة أطفالها. كم منكن أيتها الأمهات قد استخدمت كل العبارات التالية فى أقل من ساعة – غير ملابسك، رتب غرفتك، مشط شعرك، قم بعمل واجبك المدرسى، ساعد أختك، اطفئ التليفزيون. الواقع أن الأم تحاول أن توجه طفلها وتعلمه العديد من الأشياء فى وقت قليل للغاية. أما الحال الآخر هو أن يكون الأبوان متعبين لدرجة أنهما لا يحاولان التطرق للتفاصيل الصغيرة الخاصة بتربية أطفالهما، لذا فهما إما يتركان هذه التفاصيل لمن يتولى رعاية الأطفال أو ببساطة يحاولان بكل الطرق إشغال أطفالهما وإبعادهم عنهما. فى هذه البيوت لا يكون لمشاهدة التليفزيون حدود. أيضاً ال”بلاى ستاشن” وألعاب الكمبيوتر يكون لها الدور الأساسى فى حياة الأطفال، وعندما تخفق كل هذه المحاولات يتم إرسال الطفل ليلعب عند أحد أصدقائه أو ببساطة لغرفته. من الواضح أن كلا الطريقتين السابقتين بعيدتان تماماً عن التربية السليمة.

فى ظل هذه الحياة المليئة بالمشاغل، أعتقد أن على الأبوين أن يعرفا أهم القيم التى يريدان تعليمها لطفلهما. بمعنى آخر، أن يضعا أولويات! اختارى القيم الأهم التى تريدين غرسها فى طفلك وركزى عليها. لا يعنى هذا بالطبع أن ننسى بقية القيم، لكن فقط لا تحملى طفلك حملاً فوق طاقته حتى تستطيعى تحقيق النجاح والهدوء والاستمتاع بعلاقة صحية مع طفلك خلال سنوات طفولته التى سريعاً ما ستمر. لقد فكرت كثيراً فى هذا الأمر وقضيت أوقاتاً طويلة أفكر فى الصفات التى قد يتمنى الكثير من الآباء والأمهات أن يتصف بها أطفالهم. على سبيل المثال أن يكون الطفل ذكى، مجتهد، محترم، منظم، طموح، شجاع، رياضى، ملتزم، متواضع، معتز بنفسه، طيب، …الخ، والقائمة قد لا تنتهى. بعد الكثير من التفكير وصلت إلى نتيجة، وهى أن من أول القيم التى أرغب أنا شخصياً فى أن تتحلى بها بناتى عندما تكبرن هى الرحمة، واسمحوا لى أن أشرح لكم لماذا.

الرحمة ليس معناها فقط الشعور بألم الآخر، لكنها أكبر من ذلك. الرحمة من وجهة نظرى هى أن أضع نفسى مكان الآخر وأحاول أن أشعر بما يشعر به فى كل الأوقات. كل ما عليك هو أن تذكرى طفلك عندما يتمرد أو يغالى فى مطالبه أن يفكر فى حال من هم أقل منه. الأشخاص الذين يتصفون بالرحمة لا يقبلون الظلم للآخرين لأنهم يعرفون كم أن هذا الظلم يؤذيهم. بمجرد أن يرفض الطفل الظلم يكون فى طريقه لأن يكون إنساناً مستقيماً. الطفل الرحيم حقاً سيرفض بشكل تلقائى الظلم بكل أشكاله، وبالتالى لن يغش فى امتحان أو فى أى أمر آخر فى المستقبل. لن يسخر من طفل آخر ولن يشارك الآخرين فى مضايقة أحد لأنه يعرف كم سيؤذى ذلك مشاعر الآخر. الطفل الرحيم لن يجد متعة فى التباهى أو إظهار غناه إذا كان غنياً بل على العكس سيتصرف بتواضع وسيراعى مشاعر من هم أقل منه مادياً. الرحمة تُوَلّد طيبة القلب وحكمة الروح. الإنسان الرحيم لن يسبب أى أذى لغيره سواء بالفعل أو حتى بالكلام بل على العكس سيحاول التخفيف من آلام الآخرين. الإنسان الرحيم يكون منضبطاً فى مواعيده لأنه يحترم الآخرين. وبالطبع الإنسان الرحيم يكون صادقاً ويتوقع من الآخرين الصدق لأن الصدق هو الطريق للعدل.

والرحمة تتعدى العلاقات الإنسانية. أتمنى أن يكون أطفالى فى يوم من الأيام رحماء ببلدهم. عندما يشعر الوطن بمعاناة يشعرون بمعاناته ويحاولون التغيير حتى ولو كان ذلك فى حدود إمكانياتهم بأن يكونوا قدوة للآخرين على سبيل المثال. وقبل كل ذلك، الرحمة ستجعل أطفالنا عاطفيين ولديهم القوة للتعبير عن حبهم للآخرين وتقدير حب الآخرين لهم. وأنا أعنى بالحب – الحب بمفهومه الشامل.

لذا فأنا أعتقد أن الرحمة من أعظم القيم لأنها تحوى الكثير من الخير: الصدق، الطيبة، الاحترام، عزة النفس، العدل، الشجاعة، التواضع، ومعاونة الغير وغير ذلك من الخصال الحميدة. فكرى فى الأمر أليست هذه القيم هى القيم الذى يحث عليها الدين؟

Facebook Comments

أميرة أبو طالب

أميرة ابوطالب

زر الذهاب إلى الأعلى