هل البنت صورة من أمها؟

 

هل البنت صورة من أمها؟


مذكرات أم

بقلم: مى حسن

من أرشيفنا: مارس ٢٠٠٨


العلاقة بين الأم وأبنائها من أهم العلاقات الإنسانية وأكثرها إمتاعاً بالنسبة للأم، وفى السطور القليلة القادمة سنلقى نظرة سريعة على علاقة الأم بإبنتها.


فى الغالب قد سمعنا جميعاً الأمثال التى تحوى معنى أن الإبنة تشبه كثيراً أمها. أنا متأكدة أن كثيرات منا تتذكرن كيف كن تشكين من أمهاتهن كثيراً، وواثقة أيضاً أن أمهاتنا تتذكرن كيف كانت علاقتهن ببناتهن تتسم بالتوتر خلال مراحل معينة خاصةً خلال مراحل المراهقة عندما كنا نعتقد أن أمهاتنا بعيدات عن حياتنا ولا تستطعن فهمنا. لكن لا أحد يستطيع أن ينكر قوة علاقة الأم بإبنتها حتى ولو لم تكن بالقوة التى نتمناها.


دعونا نعود إلى الماضى بعض الشئ. فكرى عندما كان عمرك ثلاث أو أربع سنوات حيث كانت أمك بالنسبة لك وكأنها المرأة الخارقة – كنت تشعرين أنها تعرف كل شئ ويمكنها أن تتولى أى شئ وبإمكانها أن تجعل عالمك آمناً ورائعاً. كنت أحياناً تلبسين مجوهراتها، ترتدين حذاءها ذا الكعب المرتفع، تلطخين وجهك بماكياجها، وتدورين فى البيت محاولة تقليدها. كنت تتمنين أن تكونى صورة من أمك. بعد بضع سنوات، تبدأ العاصفة عندما تبدئين فى الدخول فى سن المراهقة، وبين يوم وليلة تبدو أمك وكأنها لا تستطيع فهم أى شئ يخصك، وكل ما تريدينه هو أن تبتعدى عنها قدر الإمكان. وبعد بضع سنوات أخرى – إذا كنت سعيدة الحظ وما زالت أمك على قيد الحياة – تبدءان فى اكتشاف بعضكما البعض من جديد كامرأتين ناضجتين وتصبح أمك من جديد أقرب صديقة لك. أليس هذا هو ما يحدث عادةً؟


أنا أنظر الآن إلى ابنتى ذات العشرة أعوام وأشعر برضا كبير وإشباع من الحب والإعجاب اللذين تظهرهما نحوى. مثل أغلب الأمهات، أنا أستمتع بهذه الوظيفة الرائعة وهى القيام بدور القدوة النسائية الأكثر تأثيراً فى حياة ابنتى. أنا أعلم أن ما تراه الابنة من أمها من أفعال وأقوال يؤثر على أسلوب حياة الابنة فيما بعد كشابة وكزوجة وكأم، وأنا أقوم بدورى هذا بمنتهى الاهتمام. أنا الآن رقم واحد فى حياة ابنتى، وهو ما كثيراً يدعو الناس حولنا لانتقادنا لقلقهم من أن ارتباطنا ببعضنا البعض أقوى من اللازم. أنا أقول لهم دائماً أن يتركونى أستمتع بهذه السنوات القليلة لأننى أعلم أن العاصفة على وشك أن تهب، سواء بعد سنتين أو ثلاثة، فهى فى الغالب آتية.


وهنا يأتى السؤال الأساسى… عندما تكونين أماً لبنت، أنت تسألين نفسك: “هل ستكون ابنتى مثلى، والأهم هل أريدها أن تكون مثلى؟” هل سمعت نفسك من قبل تقولين: “ما هذا، أنا أتكلم مثل أمى تماماً!” البنات تقضين أوقاتاً طويلة تتعلمن من أمهاتهن، ولكن هناك خيط رفيع بين رغبتك فى أن تكون ابنتك مثلك وفى نفس الوقت (ولمصلحتها هى) تتمنين ألا تكون صورة منك. إذا وضعت نفسك مكان ابنتك، يجب أن تسألى نفسك: هل أنت صورة من أمك؟ رغم تقديرك واحترامك لأمك، هل تريدين أن تكونى صورة منها؟ لدهشتى أجد كثير من الأمهات تسألن أسئلة مشابهة. لكن أعجب شئ أننى اكتشفت أن خوف البنت من أن تكون صورة من أمها هو خوف شائع ليس محلياً فقط ولكن عالمياً حتى أن هذا الخوف يطلق عليه اسم “ماتروفوبيا”.


لا أنكر أننى أتمنى بشدة أن تصبح ابنتى صورة محسنة منى. إنه إلى حد ما شعور فيه بعض الأنانية، لكنه شعور بالحاجة للمكافأة على كل الأشياء التى تقدمها الأم لابنتها وهى رغبة لا أستطيع الهروب منها. أحب أن أشعر أننى قد أثرت بشكل كبير فى حياتها. لكن بعد وقت طويل من التفكير العميق، أنا أعتقد بصدق أن أفضل هدية يمكن أن أهديها لابنتى وهى تكبر هى أن أعطيها الحرية والمساحة (مع دعائى) لأن تكون ما تريد هى.


وأخيراً، نحن كأمهات نعرف أن الأمومة ليست بالمهمة السهلة لكنها أمتع مهمة لنا كأمهات. ورغم يقين الأم أن أطفالها هم من أهم أسباب سعادتها، إلا أننا لا يجب أن نغفل حقيقة أن علاقاتنا ببناتنا قد تهتز من وقت لآخر، تماماً كما حدث فى علاقاتنا بأمهاتنا. قد نقوم نحن بتعليم بناتنا الأصول والسلوكيات السليمة، لكن يجب أن نشجعهن أن تكون لهن شخصياتهن المتميزة، وطبيعتهن الخاصة وهن تكبرن (أعلم أن هذا كلام ليس سهل التنفيذ!). إن علاقة الأم بابنتها هى علاقة تنمو على مر السنوات، ورغم أنك ستبقين دائماً بالنسبة لابنتك أهم إنسانة، إلا أنك يجب أن تساعديها على أن تكون ذات شخصية مستقلة، وتدعين أن تقوى علاقاتكما مع السنين.


أتمنى أن تشعر كل أم بالنعمة العظيمة التى تتمتع بها، نعمة الأمومة!


شكر خاص إلى أخصائية الأسرة والطفل فريدة ستينو على نصائحها القيمة.