السعادة وراحة البال

رحلتى مع النفس في سانت كاترين

 

%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82_%d8%aa%d8%a7%d9%88%d8%b1_%d8%b3%d8%a7%d9%86%d8%aa_%d9%83%d8%a7%d8%aa%d8%b1%d9%8a%d9%86_00_25

 رحلتى مع النفس في سانت كاترين

 

كنت أتسلق الجبال وعقلي خاويًا.

في كل مرة أسافر فيها، ابتهل إلى الله كثيرًا راجيًة أن يّغُط عقلي في سُبات ولو لدقائق معدودة فهو لا يتوقف عن التفكير. أرحل ويظل عقلي يعمل فيما خلّفته ورائي ويرى أحداثًا من الماضي وينسج صورًا عن المستقبل حتى كدت أفقد الأمل. لا أصدق أنني لا أفكر في شيء. أستمتع بالطبيعة في صورتها المجردة البدائية قبل أن تعبث بها أيدي البشر وأستمع إلى الصمت.

لأول مرة منذ فترة أستنشق هواءً نقيًا وكأن رئتي كانتا في شوقٍ لضم الحياة، وشعرت أنني شفيت من حساسية الصدر التي نَمَت مع العوادم والأتربة. برغم البرودة القاسية كالجبال إلا أنني أحسست بنشاطٍ تحركت معه كل أوصالي بالحياة. أخيرًا، انفصلت عن صخب المدينة وضغوط الحياة. لم أكن أدرك أن ذلك ممكنًا!

لحظات الصمت يتخللها صوت الطبيعة، ارتطام الرياح بالجبال، أصوات الطيور في السماء، حفيف القليل من الشجيرات المبعثرة حول الصحراء. تتخلل الأصوات أذنيّ في رقةٍ وعذوبة وأُنصت لها باستمتاع.

كم استجديت ربي من أجل راحة البال!

الحياة في سانت كاترين فريدةٌ جدًا… كالعصور القديمة، وحدك مع الطبيعة بلا أي آثار للمدنية الحديثة، لا كهرباء ولا ماء ساخن ولا منازل (بيوت من حجارة) ولا تليفونات ولا شبكات محمول. إنها الفرصة الحقيقية للانفصال عن الحياة التي طالما اعتصرتنا في دواماتها، للانفراد بالنفس، والتواصل مع الذات. نعم، كلنا في حاجة لفاصل في خضم معترك الحياة كي نستطيع المواصلة. من أبسط حقوقِنا كبشر أن نقف لوهلة لالتقاط أنفاسنا والتوقف عن النهجان. كامرأة وإنسان يجب أن أختلي بنفسي، أتحدث إليها، أناقشها، أستمع إلى شكواها وأهون عليها، أحاسبهاوأكافئها، أحنو عليها واحتضنها، أتفهم رغباتها وأشبعها…

نعم، نحن في حاجة للتواصل مع النفس والشعور بالرضا والثقة. وبرغم بساطة الفكرة إلا أنها عميقة ولها تأثيرًا قويًا. فبعد كل تجربة مع النفس، تتغير شكل الحياة وتختلف مفاهيمنا لها فيزداد تقبلنا لها ولأنفسنا ونُقبل على ما داومنا من قبل على فعله ولكن بإحساسٍ آخر، يملأه الرضا والنشاط والسعادة. يطل علينا يومٌ جديد في معناه ومدى تقبلنا له. يتغير الإحساس بالمسؤولية لإحساس بالفخر والقوة والثقة على قدرتنا لاستيعاب وتقبل تلك المسؤولية.

وبقدر ما تتركه الكلمات من انطباع، يخيل للبعض أنه مبالغ فيه، إلا انه صادق والتجربة خير دليل. على الرغم من ذلك، فالتجربة ليست سهلة. كما هي الحياة، صعود الجبل مرهقٌ جدًا كما أن نزوله مؤلمٌ جدًا. كلما صعدتّ التقطت أنفاسي بصعوبة ونهجت كثيرًا كما هي رحلة الصعود للهدف. وفي طريقي للنزول، بعد الوصول للقمة، كان الأمر أصعب فقد آلمتني قدماي كثيرًا فكنت في شدة الألم كما هو الحال في النزول من القمة بعد الوصول لها.

ولكن…أظل على إيماني بأننا جميعًا نستطيع الوصول مهما كان الطريق وعرًا.

Facebook Comments

نهى القطان

نهى القطان كاتبة ومالكة ومديرة شركة WriteIT لإبداعات المحتوى. أحبت الكتابة وحصلت على جوائز فى كتابة المقال والقصة القصيرة من جامعة القاهرة. بالرغم من تخرجها من كلية الهندسة وتخصصها فى مجال الـ IT إلا أنها تخصصت فى الكتابة حيث عملت فى مجال المحتوى الإلكترونى وصياغة المعلومات والتعبير عنها وإخراجها فى الشكل الملائم للقارئ وأسست الشركة الخاصة بها فى 2010. تحلم نهى بزيارة كل بلاد العالم والتعرف على ثقافات وحضارات مختلفة وقد بدأت بالفعل رحلتها حول العالم. تمثل الرياضة متنفس هام فى حياتها وتهوى قراءة الروايات والشعر.
زر الذهاب إلى الأعلى