السعادة وراحة البال

حب النفس: ماذا يعني وكيف

 

pexels-photo-29991

حب النفس: ماذا يعني وكيف

 

يسألني العديد من الناس (وباستهجان في معظم الوقت) عن ما يعنيه تعبير حب النفس.  كيف يحب الشخص نفسه؟  فحب الذات في أذهاننا يتساوى مع النرجسية والأنانية، ويناقض قيم التضحية والتواضع التي تربينا عليها.

 

أما البعض الآخر الذي حاول تطبيق تمارين “التأكيد” التي ينصح بها المدربين الشخصيين وقاموا بترديد كلمة “أنا بحب نفسي” أمام المرآة في الصباح، فقد وجدوا أنفسهم في مواجهة سيل الأفكار السلبية التي تستفزها هذه التأكيدات بطبيعة الحال.”ماذا تقولين” “ما الذي تحبينه بالضبط!” “لا طبعا بالتأكيد لا”…

 

لماذا؟ ليس لأن العقل يريد أن يكون سلبيا، لاحظي في العلاقات الشخصية، إذا قام شخص ما بالتعبير عن وجهة نظر حدية، فسيقوم الشخص المقابل بالدفاع عن وجهة النظر الأخرى، فنحن دائما نسعى للتوازن.

 

ما العمل هنا إذن؟ لنحاول أولا تعريف تعبير حب النفس أو حب الذات.

 

إذا فكرتي بطفلك وهو يريكي أول لوحاته الفنية، خطوط متناثرة، ألوان مبعثرة، وأشكال غير هندسية، إضافة إلى إن بقية اللوحة ستكون قد تسربت إلى قميصه وحذائه لتكمل القصة هناك.

 

ما الذي يريده الطفل؟ بحسب الباحثة كارول دويك* فالتشجيع الإيجابي سيساوي النقد السلبي من حيث الأثر، فالطفل في المرة القادمة سيتوقع حكما بالسلب أو الإيجاب، مما سيحدد حريته في التعبير الخلاق عن نفسه، فالهدف قد تحول من معرفة ذاته من خلال الاستكشاف والتعبير إلى الرغبة في إرضائك.

 

ما يحتاجه “المبدع”  بداخل هذا الصغير هو ببساطة أن “نشهده”.

هو يريد أن يعرف بأنه “موجود” بالفعل، وإننا أيضا “موجودون” بكليتنا هناك لنراه. هو يريد حوارا ولو كان صامتا معنا، ليعرف أكثر عن هذا الذي يعبر في داخله، ويريد أن نكون معه وهو يشاهد ما ترجمه من داخله معنا لأول مرة.

 

ما رأيك بهذا النوع من الحب؟ الحب الذي لا يقول لكِ من أنت بل يستمع إليكِ وأنتِ تحاولين استكشاف من أنتِ، مرة تلو المرة.

 

جلسات التأمل واليوغا و”الصلاة”، هي من أساليب “الكون” أي من فكرة أن “نكون” بكليتنا، أن نحضر لنسمح لجزء منا بأن يشهد ما فينا من حالات أو أفكار من دون “الحكم” عليها سلبا أو إيجابا.

 

“الدكتاتور والمتمرد”

وجدت تمرينا طريفا لتفعيل الشاهد فينا، في كتاب للكاتبة مارثا بيك** ويدعى بتمرين “الدكتاتور والمتمرد” وهو يتطلب مراقبة هاتين الشخصيتين المتناقضتين في داخلنا، إحداها فعلا “دكتاتور” يفرض سيطرته ويدفعنا للعمل والمثابرة حتى في الأشياء التي لا تستهوينا، فهدفه هنا أن لا يسمح لنا بالفشل. أما الآخر فمتمرد صغير يريد أن يفعل فقط ما يحلو له، ويبحث عن فرصة ليتفلت من سيطرة الدكتاتور، وينتهز فرصة سهو الدكتاتور أو غيابه ليفعل ذلك.

 

قومي بإغلاق عينيكي، وتخيلي في كف يدك اليمنى، قزما بحجم عقلة الإصبع، يلبس زيا عسكريا، وبيده عصا ويتحرك بعصبية، يأمر وينهى، ويزبد ويغضب. فقط راقبيه، تأمليه، هو جزء منكي فعلا، إلا أنه ليس أنتي.

 

حركي إنتباهك الآن إلى كف يدك اليسرى، وهناك راقبي المتمرد الصغير، أيضا بحجم عقلة الإصبع، بلباسه المتمرد، وأسلوبه الذي ينم عن الرفض الشديد لتحكم الدكتاتور، راقبيه أيضا وحاولي أن لا تصدري الاحكام، هذا أيضا جزء منكي، وليس أنتِ.

 

ألآن يتطلب منك التمرين أن تقومي بالدعاء لهما بالخير، ويمكن استخدام تأمل التعاطف والمحبة هنا إن كانت كلماته تحلو لكِ:

“بتمنالك الخير” “بتمنالك السعادة” “بتمنالك تتحرر من العذاب”

 

قومي بترديد هذه الكلمات وإنتِ تنظرين أولا إلى الدكتاتور وكرريها لمدة دقيقة (حوالي ٢٠ مرة)، ثم أعيدي ترديدها على المتمرد الصغير لمدة دقيقة أخرى.

توقفي وانتبهي إلى من يقوم بترديد الدعاء، وقد تجدين نفسكي في حضرة  الشاهد في داخلك، يعيش الشاهد في هذا المكان الهاديء ووجودكي بحضرته يدعو إلى الاسترخاء، من هذا المكان نتعرف على نبع الحب والحيادية في داخلنا ويصبح من السهل علينا مع الوقت الوصول إليها عندما نحتاج لأن “نحب أنفسنا” وغيرنا أيضا.

 

*كتاب كارول دويك mindset

**كتاب مارثا بيك The four day solution

 

 

Facebook Comments

ربى حميدي

ربى الحميدي مستشارة شموليّة معتمدة ومدربة حياتية مقرها سويسرا إنها تساعد الناس على تحقيق أهدافهم دون الحاجة إلى دفع أنفسهم باستمرار ، من خلال الفهم ووضع العادات المعيشية والعقلية والروحية التي تدعمهم وتنشطهم.

زر الذهاب إلى الأعلى