مذكرات أم

الأسرة كنز لا يعوض

 

1043116-large

الأسرة كنز لا يعوض

بقلم: ساتفير نصار

هل بقيت من قبل فى فراشك فى الليل تتقلبين وتشعرين بألم فى عضلاتك وصداع وتحملقين فى السقف محاولة أن تعرفى كيف مر عليك اليوم؟ حسناً! إذا كنت قد مررت بهذا (وأنا متأكدة من أن كل الأمهات قد مررن به)، حتماً ستفهمين ما سأحدثك عنه.

مهما حاولنا التخطيط ووضع جداول، إلا أن الأشياء قلَّما تحدث بالشكل الذى نتوقعه. منذ مدة ليست ببعيدة كنت قد خططت لقضاء يوم جميل وكم كنت أتطلع لهذا اليوم. أخذت إجازة من عملى وقررت أن آخذ إجازة من أعبائى اليومية من تنظيف وغسيل، فيمكن أن تنتظر هذه الأعباء إلى اليوم التالى – فهى على كل حال لا تنتهى – ولكننى فى النهاية إكتشفت أن أمنياتى هذه كانت مجرد أحلام.

كانت خطتى أن أقوم بتحضير أطفالى للذهاب إلى المدرسة ثم أعطى لنفسى بعض الوقت لأستمتع بفنجان الشاى الصباحى الذى لا أستطيع الاستغناء عنه. لقد قلت لبناتى مراراً وتكراراً أن يقمن بتحضير ملابس المدرسة منذ الليل لأنهن أصبحن كبيرات بما يكفى لتحمل هذه المسئولية البسيطة. رغم أن إبنتى الوسطى طفلة مدهشة، إلا أنها كثيرة النسيان. ولأنها تعرف ذلك، فقد حددت أماكن معينة فى البيت لوضع متعلقاتها حتى نقلل من فرصة ضياع الأشياء. عندما نََزَلَت إستعداداً للذهاب إلى المدرسة، إلتقطت أنفاسى وسألتها، “أين جاكيت المدرسة؟” سألتها هذا السؤال وأنا يدور بخاطرى أنها ربما قد أضاعته كما حدث من قبل، وكما توقعت كانت لا تعرف أين هو. بدأنا رحلة البحث فى كل البيت ولم يخطر ببالنا أن نبحث على فراشها لأنها غالباً كانت ستتذكر رؤيته منذ بضع دقائق، ولكننا فى النهاية وجدناه فى بالفعل آخر مكان يمكن أن نتوقعه، على فراشها. وكانت الطريقة الوحيدة لكى تلحق إبنتاى بالمدرسة، هى أن آخذهما بسيارتى بسرعة لأوصلهما إلى المدرسة. وبهذا تبخر حلمى فى تناول كوب الشاى الصباحى فى هدوء.

بعد أن وَصَّلت إبنتىّ الكبرتين إلى مدرستهما، فكرت فى أن أحاول بدء يومى بمنظور جديد، فأخذت ابنتى الصغرى إلى أحدى المطاعم التى تحبها وطلبت لها طعامها المفضل وتناولت أنا أخيراً كوب الشاى. ظننت أن هذه اللفتة الظريفة منى ستجعل إبنتى فى حالة مزاجية جيدة (وبالتالى أنا أيضاً) وتوقعت أن ترد لى هذه اللفتة بأن تكون صبورة معى بينما أشترى بعض الملابس الجديدة التى أحتاج إليها، فأنا لا أتذكر متى آخر مرة إشتريت لنفسى شيئاً. لقد وعدتها أيضاً أن أصحبها إلى الملاهى بعد ذلك إذا ظلت مهذبة وهادئة. عندما رَفَعَت رأسها ونظرت إلى بابتسامتها العريضة، صدقت أنها ستكون مهذبة وهادئة، ولكن هيهات، فبمجرد أن دخلنا أول محل، إنطلقت كالصاروخ. جريت وراءها وحاولت الإمساك بها لكنها دخلت خلف إحدى الشماعات. كانت مستمتعة بهذه اللعبة التى إكتشفتها وبجريها وإختفائها خلف الملابس. قررت أن آخذها وأعود إلى البيت دون أن أشترى شيئاً، وودعت البلوزة التى لم تسنح لى الفرصة حتى لقياسها، ورأيت وأنا فى طريقى للخروج من المحل إحدى السيدات تشترى البلوزة التى كنت أنوى شراءها!

إستسلمت وقررت التنازل عن حلمى بقضاء يوم مختلف، وبينما كانت إبنتى الصغيرة تلعب بلعبها، بدأت فى القيام بأعبائى من غسيل وطهى وتنظيف. وأنا وسط كل هذا، شعرت بضغط على كتفى وصداع وألم فى عضلاتى وشعرت أننى مجهدة ومريضة. لكن كان وقت أخذ إبنتىّ من المدرسة قد حان. عندما عدت بهما إلى البيت، حاولت مقاومة تعبى حتى أستطيع القيام بالإشراف عليهما ومساعدتهما فى واجباتهما المدرسية، وفى الوقت نفسه كنت أحاول تسلية إبنتى الصغرى. بعد ذلك استجمعت كل قواى لكى أستطيع توصيل إبنتى الكبرى إلى تمرينها. عندما عدت إلى البيت كنت تقريباً أزحف لكى أستطيع الوصول لأى كنبة لأستريح ٥ دقائق ولكننى وجدت إبنتى الصغرى تنط على بطنى. وهنا وصل زوجى العزيز وبدأت الأمور تتحسن!

أخذ زوجى إبنتى الصغرى من فوقى، أكمل تحضير الغذاء، ذهب لأخذ إبنتى الكبرى من التمرين، كما طلب منى أن أترك كل الأعباء المنزلية له وللبنات. كم جميل أن تشعرى أن أحداً يهتم بك! وبالفعل إستطاع زوجى وبناتى القيام بكل شئ. يبدو أننى لم أكن أعرف مدى قدراتهم. لقد دللونى وأحضروا لى غذائى أمام التلفزيون، ثم أحضروا لى كوب جميل من الشاى. قامت البنتان الرائعتان – الكبرى والوسطى وعمرهما ١٠ و٧ سنوات – بغسل كل الأطباق وتنظيف المطبخ، كما قامتا أيضاً بلم الغسيل وتطبيقه وتوزيعه. بمجرد أن شرح زوجى لإبنتى الصغرى أننى لست بحالة جيدة، ظلت تأتى لى من وقت لآخر وتربت علىّ وتسألنى: “هل أنت بخير يا أمى؟” “هل تريدين شيئاً؟” كم سعدت بهم جميعاً!

أنا شخصياً أجد صعوبة شديدة فى أن أطلب مساعدة من أحد، فأنا أقوم بكل شئ بنفسى وهو بالطبع ليس شيئاً معقولاً أو صحياً. لكن فى نهاية اليوم عندما فكرت بما مر بى من أحداث خلال اليوم، إكتشفت أننى يجب أن أعتمد على أسرتى بشكل أكبر ويجب أن أخبرهم عندما أحتاج لمساعدتهم. ليس بالضرورة أن أحمل كل الأعباء وحدى. حتى ولو مرضت وبقيت فى الفراش ليومين، العالم لن يتوقف وكل شئ سيكون على ما يرام.

لذا فالإجابة عن سؤالى – كيف مر علىّ اليوم؟ بمساعدة أسرتى التى لا أستطيع الحياة بدونها. أحياناً تكون فى حياتنا كنوز ولكننا لا نراها على حقيقتها!

Facebook Comments

عالم الأم و الطفل

تشمل مجموعتنا الواسعة من المقالات جهود أكثر من 20 عامًا من العمل وتغطي مجموعة واسعة من الموضوعات المتعلقة برعاية الأسرة والطفل. تم تطوير جميع مقالاتنا وتحديثها بمساعدة ودعم القادة في مجالات الطب والتغذية والأبوة والأمومة ، من بين أمور أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى